ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
115
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
والصفاء والعفو والصدق وذوي المروءات ، فإن سألك عن التصوف أو عن المعرفة والمحبة والتصوف فلا تجب بلسان قالك حتى يبرز لك من صدق معاملتك ما برز لهم ، فتكون تتكلم عن حاصل وعن محصول ، فإذا قمت بالأوامر الدينية واهتممت في صدق عملك ترجم بلسان الفوائد ، ولا تقول التصوف لبس الصوف ، لكن الصوف من بعض شعار التصوف ، فإن دقيق التصوف ورقيق صفاته ورونق بهجة ترقية يندرج به الصوف والصوفي في بعض ذرة من الصفاء ، فإذا وصلت إلى حقيقة التصوف المعتدي رضيت لبس ما خشن ؛ لأنك تصل إلى مهاقات اللطافة ويعود ظاهرك الحسن في باطنك الآلي ، ويجمعك من فرقك ويجردك مجارد الهبة ، ويسبكك نار نور القبس ، وتقد فيك جذوة الاحتراق ، ويعود الماء يحرقك والثلج والبرد يقوي ضرامك ؛ لأن أول طريقك تسعى في ميدان العلم المكسوب ترعى فكنت تأخذ بالتقشف ولبس الخشن والصوف ، يعني هذا التأدب نفيستك ، وتذل وتنكسر وترق وتخضع ، ويكون ذلك لها تمهيدا لمعلمها فلما رجع ظاهر الأمر باطنا دق دقيق السر بالقلب ، فسرى فأطرب ، وماج واحترق واغترف . فو اللّه يا ولدي ما يطيق من كان في قلبه نور الأنوار أن يحمل على ظاهر بدنه رقيق الثياب ، كما قال بعضهم : تحملت أثقال المحبة كلها * وإني على حمل القميص لأضعف فافهم وفقك اللّه لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن في الجسد بضعة - وقيل : مضغة - إذا صلحت صلح الجسد ، وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب » « 1 » يعني : أن للقلب جمهور الجسد ، وهو لبه ومدبره ، فاجمع يا ولدي همة العزم وقوة شدة لتعرف معنى الطريق بالإدراك لا بالوصف ، فأي مقام وقفت فيه كان حجابا يحجبك ، بل ارفض كل ما يحجبك عن مولاك ؛ فإن كل ما دون اللّه ورسوله والصحابة وكتابه العزيز باطل ، يعني : الأغراض تورث الأعراض إن استغرقت في الفاء ، ووقفت متمعنا معناها ، وتعمل بما في سر نجواها نبع لك الألف ل م ، وتأتيك ميم ، فالميم من الألف وإن حققت سر الألف والألف ميم ، ثم تأتيك من ميم ميم ، ثم تاء وباء وهي تكفيك اقسم بها المولى العظيم ، تنح عني يا هذا من كلام الوصافين وتعال يا ولدي
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب فضل من استبرأ لدينه ، حديث رقم ( 52 ) [ 1 / 28 ] ومسلم في صحيحه ، باب أخذ الحلال . . ، حديث رقم ( 1599 ) [ 3 / 1219 ] ورواه غيرهما .